البنك المركزي الألماني يقدّر متوسط الرسوم على الواردات الأمريكية بنحو 12 في المئة
على مدى عام ونصف العام، دار الجدل حول الرسوم الجمركية على التأكيدات لا على الأرقام. لكل طرف رقمه الخاص عن ارتفاع الجدار الجمركي، وتخمينه الخاص عمّن يتحمل كلفته، ورؤيته الخاصة عمّا إذا كان الضرر قد وقع بالفعل أم لا يزال في الطريق. وما كان ناقصاً هو مؤسسة تملك نموذجاً للاقتصاد الكلي، ولا مصلحة تجارية في النتيجة، وعليها التزام بنشر حساباتها.
وقد وفّر البنك المركزي الألماني هذه المؤسسة. فتقريره الشهري لشهر يوليو 2026، المؤرخ في 28 يوليو، يتضمن مقالاً مطولاً — صدر قبل يوم واحد، في 27 يوليو — عن الرسوم الجمركية الأمريكية والتشظي الجيواقتصادي، ويفعل ما لم يفعله التعليق الجاري: يحدد المستوى، ويقيس الأثر على الأسعار والناتج وأحجام التجارة، ويبيّن مقدار التدهور في حال التصعيد. والنتيجة المحورية صارخة في بساطتها: ارتفع متوسط معدل الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية من 2.3 في المئة في 2024 إلى ما يقارب 12 في المئة حالياً، وهو مستوى يشير البنك المركزي الألماني إلى أنه لم يُبلغ منذ أوائل أربعينيات القرن الماضي.
هذا هو الرقم المرجعي، وهو يعيد تأطير كل ما يترتب عليه. فقفزة تقارب تسع نقاط مئوية ونصف النقطة في المتوسط المطبّق ليست نزاعاً تجارياً، بل تغيّر في بنية الأسعار لأكبر سوق استيراد في العالم. وتقديرات البنك المركزي الألماني لما يترتب على ذلك لافتة لعدم تماثلها أكثر منها لحجمها: فالأثر السعري يقع سريعاً وشبه كامل على الاقتصاد المستورد، بينما ينتشر أثر الناتج رقيقاً على الجميع.
| المصطلح | ما يعنيه في هذا التقرير |
|---|---|
| متوسط معدل الرسوم على الواردات الأمريكية | المعدل المطبّق فعلياً عبر كل المناشئ وخطوط المنتجات، لا المعدل المعلن على بلد بعينه. ويشير البنك المركزي الألماني إلى أن المعدل المدفوع فعلياً كان أدنى بكثير مما توحي به الحسابات المستندة إلى أوزان تجارة 2024، لأن المستوردين يتحولون إلى مصادر أقل تعرضاً للرسوم |
| خط الأساس | السيناريو المقابل لدى البنك: وضع افتراضي تبقى فيه معدلات الرسوم المنخفضة السابقة قائمة بصفة دائمة |
| مُخفِّض أسعار الاستهلاك الخاص | مؤشر الأسعار المشتق من استهلاك الأسر في الحسابات القومية، أي مقياس نفقات الاستهلاك الشخصي لا مؤشر أسعار المستهلكين |
| الانتقال الكامل للأثر | الحالة النظرية التي تُضاف فيها كامل الرسوم إلى سعر التجزئة الذي يدفعه المستهلك في البلد المستورد |
| نموذجا NiGEM وEAGLE | النموذجان المستخدمان في المحاكاة: نموذج قياسي عالمي ونموذج توازن عام ديناميكي عشوائي لمنطقة اليورو على التوالي |
| سقف الرسوم | الحد الأقصى المطبّق بموجب الترتيب الذي يغطي الغالبية العظمى من صادرات الاتحاد الأوروبي، والمحدد عند 15 في المئة |
جميع الأرقام الواردة في هذا المقال مأخوذة مباشرة من التقرير الشهري للبنك المركزي الألماني لشهر يوليو 2026، المجلد 78 العدد 7. والتقرير الشهري نفسه مؤرخ في 28 يوليو 2026، فيما يحمل مقال الرسوم الجمركية ختم نشر بتاريخ 27 يوليو 2026، إذ صدر قبل يوم من التقرير الكامل. وتقديرات الناتج والتجارة هي محاكاة نموذجية مقابل خط الأساس المذكور، وليست تنبؤات. وحيثما يورد التقرير نطاقاً، يُعاد إنتاج النطاق كما هو.
ما فعلته الرسوم بالأسعار حتى الآن
تتعلق أبرز نتائج البنك المركزي الألماني المباشرة بالتضخم داخل الولايات المتحدة نفسها. فقد رفعت الرسوم الجمركية معدل التضخم، مقيساً بمُخفِّض أسعار الاستهلاك الخاص، بمقدار 0.6 إلى 0.7 نقطة مئوية في فبراير 2026. وهي مساهمة معتبرة في الرقم الرئيسي، ويجدر التدقيق في المؤشر المقصود: مُخفِّض أسعار الاستهلاك الخاص، لا مؤشر أسعار المستهلكين. فالمقياسان يتصرفان على نحو مختلف، والخلط بينهما هو الخطأ الأشيع في التعليق على الرسوم.
والأكثر لفتاً هو تقدير انتقال الأثر. إذ يخلص البنك إلى أن حركة الأسعار المرصودة تمثل ما يزيد قليلاً على 80 في المئة من الأثر السعري المتوقع في حالة الانتقال الكامل للرسوم. وليس هذا قولاً بأن 80 في المئة من الرسوم أُضيفت إلى أسعار الرفوف، بل قول بأن استجابة الأسعار حتى الآن جاءت عند ما يزيد قليلاً على أربعة أخماس ما كان سيُنتجه انتقال كامل بالمعنى النظري. والفارق مهم: فهو يعني أن المصدّرين استوعبوا قدراً ضئيلاً نسبياً، وأن العبء حُمل في معظمه عند طرف الاستيراد.
| نتائج الأسعار وانتقال الأثر | القيمة |
|---|---|
| المساهمة في التضخم الأمريكي، مُخفِّض أسعار الاستهلاك الخاص، فبراير 2026 | 0.6 إلى 0.7 نقطة مئوية |
| الأثر السعري المرصود مقابل الانتقال الكامل | ما يزيد قليلاً على 80 في المئة |
| مستوى الأسعار في منطقة اليورو في 2027، في فرع التصعيد وحده | أعلى بنسبة 0.2 في المئة |
ويخص السطر الأخير في هذا الجدول سيناريو التصعيد لا المسار الحالي، ولا ينبغي قراءته إلا في هذا السياق. ففي محاكاة التصعيد لدى البنك المركزي الألماني، سيكون مستوى الأسعار في منطقة اليورو أعلى بنسبة 0.2 في المئة في 2027. والرد الانتقامي المتماثل فرع إضافي فوق ذلك، يقول البنك إنه كان سيضخّم هذه الآثار مجدداً، أي أن 0.2 في المئة هو رقم التصعيد لا رقم ما بعد الرد الانتقامي. وعلى المسار الحالي، فإن مشكلة منطقة اليورو مشكلة طلب لا مشكلة أسعار.
آثار الناتج والتجارة أصغر من الخطاب السائد
هنا يخالف التقرير أعلى الأصوات على الجانبين. فبعد ثلاث سنوات، يقل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لمنطقة اليورو بأقل قليلاً من 0.3 في المئة عن خط الأساس. وهذه كلفة حقيقية، لكنها جزء يسير من الأرقام التي تداولت عند الإعلان الأول عن نظام الرسوم، وهي موزعة على ثلاث سنوات. أما تدفقات التجارة العالمية فتتراجع بما يزيد قليلاً على 3 في المئة. وتسير الواردات الأمريكية الحقيقية عند نحو 9 في المئة دون المستوى الذي كان متوقعاً في 2027.
| نتيجة المحاكاة | الأثر مقابل خط الأساس |
|---|---|
| الناتج المحلي الحقيقي لمنطقة اليورو بعد ثلاث سنوات | أقل بأقل قليلاً من 0.3 في المئة |
| تدفقات التجارة العالمية | أقل بما يزيد قليلاً على 3 في المئة |
| الواردات الأمريكية الحقيقية، 2027 | نحو 9 في المئة دون المستوى المتوقع |
| سقف الرسوم على صادرات الاتحاد الأوروبي | 15 في المئة على الغالبية العظمى من الصادرات |
والنمط متسق: تعضّ الرسوم بأشد ما يكون في حجم التجارة وفي مستوى الأسعار داخل الاقتصاد الذي يفرضها، وبأخفّ ما يكون نسبياً في الناتج الحقيقي في أماكن أخرى. فالتجارة تُعاد توجيهها لا تُلغى. وذلك هو الآلية وراء إحدى أدق ملاحظات التقرير: تراجع الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنحو الثلث، وهو انهيار في ممر ثنائي لم يُنتج ما يقاربه من هبوط في التجارة العالمية، لأن السلع ذهبت إلى وجهات أخرى.
والبنك المركزي الألماني حذر في تحميل إعادة التوجيه أكثر مما تحتمل. فعلى الطرف الأوروبي، لا تمثل المنتجات المعنية سوى نحو 10 في المئة من الصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي، ما يعني أن الأثر الكلي لتأثيرات إعادة التوجيه كان، بعبارة البنك، محدوداً جداً حتى الآن. فإعادة التوجيه آلية حقيقية، لكنها ليست بعد آلية كبيرة.
فرع التصعيد يضاعف الضرر تقريباً
لا يتوقف البنك المركزي الألماني عند النظام القائم. فهو يحاكي تصعيداً إضافياً، وتتدرج النتائج على نحو يستدعي تركيز الانتباه على ما لم يحدث بعد أكثر من التركيز على ما حدث.
| سيناريو التصعيد | الأثر |
|---|---|
| الضرر الإجمالي مقارنة بالمسار الحالي | أكبر بنحو الضعف |
| الناتج المحلي الإجمالي العالمي | أقل بما يقارب 1 في المئة |
| التجارة العالمية | أقل بما يقارب 5 في المئة |
| معدل الرسوم الأمريكية الفعلي | أكثر من 20 في المئة |
ومعدل فعلي يتجاوز 20 في المئة يعادل تقريباً ضعف مستوى الـ12 في المئة تقريباً الذي بلغ بالفعل، وهو في حد ذاته الأعلى منذ أوائل الأربعينيات وفق المقارنة التاريخية للبنك نفسه. ومضاعفة الضرر هي الرقم المفصلي: فهي تقول إن دالة الكلفة ليست مسطحة، وإن التصعيد الحدي أغلى من المتوسط الذي جرى تكبده بالفعل.
ما تبلّغ عنه الشركات الألمانية على أرض الواقع
يقرن التقرير عمله النموذجي بأدلة مسحية من لوحة الشركات التابعة للبنك المركزي الألماني، وهنا يصبح انتقال الأثر ملموساً. فنحو 11 في المئة من الشركات الألمانية صدّرت إلى الولايات المتحدة في 2025، وهي أقلية، وتصحيح مفيد لافتراض أن الاقتصاد الألماني ككل مكشوف بصورة مباشرة. لكن الأثر على تلك الأقلية كان حاداً، وكان أثر عدم اليقين أوسع نطاقاً.
فقد اتسع الانحراف المعياري لتوقعات الشركات بشأن مبيعاتها بمقدار 3.4 نقطة مئوية ليبلغ 8.8 في المئة. وهذه هي البصمة الإحصائية لشركات لم تعد تتفق فيما بينها على ما سيحدث لاحقاً، وهي القناة التي تصل عبرها سياسة الرسوم إلى قرارات الاستثمار في شركات لا تشحن حاوية واحدة إلى الولايات المتحدة. وقد أرجأ ما يزيد قليلاً على نصف الشركات المتأثرة استثماراتها، وتوقع نحو ثلثيها طلباً أضعف، فيما أفاد 16 في المئة فقط بعدم وجود أي آثار.
التشوه الذي لا يسعّره أحد
ثمة نتيجة في التقرير لا علاقة لها بالرسوم الجمركية وتستحق انتباهاً منفصلاً. فنقلاً عن منظمة التجارة العالمية، يسجل البنك المركزي الألماني أن السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي استأثرت بنحو 42 في المئة من الزيادة في تجارة السلع العالمية في 2025، مع تشكيلها نحو سدس التجارة إجمالاً. أي أن فئة منتجات واحدة تحمل حصة غير متناسبة إطلاقاً من نمو التجارة.
وللأمر دلالة في الاتجاهين. فهو يعني أن أرقام التجارة الإجمالية تجمّلت بفعل دورة تكنولوجية مركزة، وأنها أضعف في جوهرها مما تبدو. ويعني كذلك أن أي انقطاع في تلك الدورة سيزيل دعامة لا يأخذها تحليل الرسوم في الحسبان. وبالنسبة إلى القارئ في الخليج، حيث بات الاستثمار في التكنولوجيا ومراكز البيانات أولوية سياسات معلنة، فإن هذه هي الأهم بين النتيجتين البنيويتين في التقرير.
لماذا يهم ذلك: وضع بنك مركزي أخيراً رقماً قابلاً للدفاع عنه على نظام الرسوم الجمركية، والأرقام لا تدعم أياً من السرديتين السائدتين. فالنظام كبير تاريخياً — ما يقارب 12 في المئة مقابل 2.3 في المئة قبل عامين، وهو مستوى لم يُشهد منذ أوائل الأربعينيات — والأثر السعري حقيقي ومتركز داخل الولايات المتحدة، عند 0.6 إلى 0.7 نقطة مئوية على مُخفِّض أسعار الاستهلاك الخاص مع رصد ما يزيد قليلاً على 80 في المئة من الانتقال الكامل. لكن الضرر الواقع على الناتج في الخارج متواضع وبطيء: أقل قليلاً من 0.3 في المئة من الناتج الحقيقي لمنطقة اليورو على مدى ثلاث سنوات. فالخطر ليس فيما حدث، بل في فرع التصعيد حيث يتضاعف الضرر تقريباً ويتجاوز المعدل الفعلي 20 في المئة.
نظرة استشرافية: أربعة أمور تستحق المتابعة. أولاً، ما إذا كان سقف الـ15 في المئة على الغالبية العظمى من صادرات الاتحاد الأوروبي سيصمد، إذ يُعرَّف سيناريو التصعيد بخرقه. ثانياً، نسبة انتقال الأثر، فإن تجاوزت حاجز ما يزيد قليلاً على 80 في المئة، فذلك يعني أن المصدّرين توقفوا عن الاستيعاب وأن الأثر السعري سيمتد. ثالثاً، حصة إرجاء الاستثمار في لوحة الشركات الألمانية، وهي حالياً ما يزيد قليلاً على النصف، وأنظف قراءة متاحة لما إذا كان عدم اليقين ينحسر. رابعاً، تركّز تجارة الذكاء الاصطناعي عند نحو 42 في المئة من زيادة 2025، لأن أي تباطؤ هناك سيزيل الدعامة الرئيسية تحت أحجام التجارة العالمية.
المصادر: البنك المركزي الألماني، التقرير الشهري لشهر يوليو 2026، المجلد 78 العدد 7، الصادر في 28 يوليو 2026.

