مصر تتوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد بشأن المراجعة السابعة بما يمهد لصرف نحو 1.6 مليار دولار
توصلت مصر إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد الدولي بشأن المراجعة السابعة لبرنامجها ضمن تسهيل الصندوق الممدد، والمراجعة الثانية ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة، في خطوة تمهد لإتاحة تمويل جديد بنحو 1.6 مليار دولار بعد موافقة المجلس التنفيذي للصندوق.
وقال صندوق النقد إن استكمال المراجعتين سيتيح لمصر سحب 1.11 مليار وحدة حقوق سحب خاصة، أو ما يعادل نحو 1.5 مليار دولار، ضمن تسهيل الصندوق الممدد، إلى جانب 100 مليون وحدة حقوق سحب خاصة، أو ما يعادل نحو 136 مليون دولار، ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة. وبذلك يبلغ إجمالي الحزمة المرتقبة نحو 1.64 مليار دولار، تمثل أموال تسهيل الصندوق الممدد نحو 92 في المئة منها، مقابل نحو 8 في المئة لتسهيل الصلابة والاستدامة. ويرتفع إجمالي المبالغ المصروفة ضمن الترتيبات إلى نحو 5.3 مليار وحدة حقوق سحب خاصة، أو ما يعادل نحو 7.2 مليار دولار.
ويقرب الاتفاق مصر من تدفق تمويلي خارجي جديد ضمن برنامج أصبح محوريا للاستقرار الاقتصادي الكلي، وثقة المستثمرين، والوصول إلى أسواق الدين. كما يؤكد أن مسار مراجعات الصندوق لا يزال قائما رغم الصدمات الإقليمية، وضغوط أسعار الطاقة، وخروج جزء من استثمارات المحافظ، وبقاء التضخم عند مستويات مرتفعة.
وذكر الصندوق أن بعثته أجرت مناقشات مع السلطات المصرية في القاهرة خلال الفترة من 11 إلى 21 مايو، ثم استكملت المحادثات افتراضيا بعد ذلك. ولا يزال الاتفاق خاضعا لموافقة إدارة الصندوق وموافقة مجلسه التنفيذي، ما يعني أن الأموال لم تصرف بعد. لذلك ستكون موافقة المجلس التنفيذي هي المؤشر التالي للأسواق، ولمسار التمويل الخارجي المصري، ولمراكز المستثمرين في أدوات الدين المصرية.
وربط الصندوق الاتفاق باستجابة مصر للصدمات الخارجية الأخيرة واستمرار تنفيذ برنامج الإصلاح. وقال إن تأثير الصراع الإقليمي على الاقتصاد المصري ظل محدودا نسبيا، مدعوما بإجراءات شملت تعديل أسعار الوقود والكهرباء، وترشيد استهلاك الطاقة لدى الجهات الحكومية، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وزيادة الإنفاق الاجتماعي لتخفيف الأثر على الفئات الأكثر احتياجا.
وجاءت بيانات النمو داعمة للمراجعة. فقد بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 5 في المئة في الربع الثالث، لترتفع نسبة النمو في أول ثلاثة أرباع من السنة المالية إلى 5.2 في المئة. ويشير ذلك إلى تعاف تدريجي من ضغوط نقص العملة الأجنبية واضطرابات الاستثمار السابقة، لكن جودة النمو تظل الأهم. فبالنسبة لصندوق النقد، لا تكفي أرقام النمو وحدها، بل يجب أن يصبح نشاط القطاع الخاص والصادرات والاستثمار هي المحركات الرئيسية للتوسع.
وكان الأداء المالي عنصرا محوريا في الاتفاق. فقد قال الصندوق إن مصر تجاوزت مستهدفات الرصيد الأولي والإيرادات الضريبية بنهاية مارس 2026، بدعم من تحسن تعبئة الإيرادات المحلية وبقاء الإنفاق داخل سقف الموازنة. ومن المتوقع أن يرتفع الفائض الأولي من 4.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025/2026 إلى 5.0 في المئة في السنة المالية 2026/2027. ورغم أن الزيادة تبلغ 0.2 نقطة مئوية فقط، فإنها مهمة في ظل ارتفاع تكلفة خدمة الدين وكبر احتياجات التمويل الإجمالية.
ويمثل الجهد الضريبي مؤشرا مهما آخر. فقد أشار الصندوق إلى أن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي من المتوقع أن ترتفع 1.2 نقطة مئوية هذا العام، بدعم من توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الإدارة الضريبية. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن زيادة الإيرادات المحلية يمكن أن تخفف الاعتماد على إصدار الدين، وتخلق مساحة أكبر للإنفاق الاجتماعي الموجه، وتجعل مسار الضبط المالي أكثر استدامة.
وتبقى إدارة الدين أحد أهم محاور البرنامج. قال الصندوق إن السلطات تستهدف خفض احتياجات التمويل الإجمالية بنحو 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنتين الماليتين 2025/2026 و2026/2027 من خلال إطالة آجال الإصدارات، وتنفيذ عمليات إدارة التزامات طوعية، واستخدام حصيلة التخارجات، إلى جانب أدوات أخرى. وإذا تم تنفيذ ذلك، فسيخفف ضغوط إعادة التمويل، ويقلل الهشاشة المالية، ويجعل هيكل الدين أكثر قابلية للإدارة أمام المستثمرين المحليين والأجانب.
لكن التضخم يبقى القيد الرئيسي. فقد سجل التضخم السنوي في المدن 14.6 في المئة في مايو، بينما يتوقع الصندوق أن يرتفع إلى 15.8 في المئة بنهاية السنة المالية، نتيجة عوامل أساس غير مواتية، وارتفاع أسعار الطاقة، وانتقال أثر تراجع سعر الصرف بعد الصدمة الإقليمية الأخيرة. وهذا يبقي الحاجة إلى سياسة نقدية مشددة، ويحد من مساحة خفض الفائدة بشكل قوي قبل ترسخ مسار انخفاض التضخم.
كما تبقى مرونة سعر الصرف ركنا رئيسيا في البرنامج. قال الصندوق إن سعر الصرف عمل كأداة امتصاص للصدمات أثناء خروج استثمارات المحافظ، بينما ظلت الاحتياطيات الدولية الإجمالية مستقرة إلى حد كبير بنهاية مارس. كما أشار إلى أن عودة تدفقات المحافظ، بدعم من الإعلان عن اتفاق الولايات المتحدة وإيران، ساعدت على عكس معظم التراجع في سعر الصرف منذ بداية الصراع. وبالنسبة للأسواق، يعزز ذلك أهمية الحفاظ على نظام صرف مرن وموثوق بدلا من الدفاع عن مستوى ثابت للعملة.
أما الإصلاحات الهيكلية فهي الاختبار الأصعب. فقد شدد الصندوق مجددا على ضرورة تحسين بيئة الأعمال، وتكافؤ الفرص، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة التي صدرت في يونيو. وسيكون تسريع التخارجات في القطاعات التي التزمت الدولة بتقليص حضورها فيها أمرا حاسما لجذب الاستثمار الخاص، ودعم خلق الوظائف، وتحويل الاقتصاد نحو نموذج نمو تقوده استثمارات القطاع الخاص.
لماذا يهم: مصر واحدة من أهم اقتصادات المنطقة، ووجهة رئيسية للودائع الخليجية، والاستثمارات السيادية، والاستثمار المباشر، وانكشافات المحافظ. بالنسبة للدائنين والبنوك والصناديق الخليجية، يخفض الاتفاق مخاطر التمويل القريبة، ويدعم الثقة في مسار الإصلاح المصري، ويساعد في حماية قيمة الانكشافات الإقليمية على الأصول المصرية. كما يقلل خطر حدوث تعديل غير منظم في وقت يراقب فيه المستثمرون الإقليميون استقرار العملة، وقدرة الدولة على إعادة تمويل الدين، واتجاه التضخم.
لا يزيل الاتفاق تحديات مصر، لكنه يعزز المرساة الاقتصادية والسياسية للبرنامج. فالجمع بين التمويل الجديد من صندوق النقد، وتحسن الأداء المالي، وخطة إدارة الدين، وعودة بعض تدفقات المحافظ، يحسن الصورة القريبة. لكن الاختبار الحقيقي يبقى في التنفيذ. تحتاج مصر إلى مواصلة الإصلاح، وحماية الأسر من أثر التضخم وتعديلات الدعم، وتسريع برنامج التخارجات، وتحسين بيئة عمل القطاع الخاص، والحفاظ على مرونة سعر الصرف.
النظرة المستقبلية: المحطة التالية هي موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد. وبعد ذلك ستتجه الأنظار إلى المراجعة الثامنة، وسرعة التخارجات، ومسار التضخم في النصف الثاني من 2026، واستجابة سعر الصرف للصدمات الخارجية، وقدرة الحكومة على تنفيذ خفض احتياجات التمويل الإجمالية. مصر الممولة والماضية في الإصلاح تبقى عاملا إيجابيا للمشهد الاستثماري في الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن علاوة الثقة ستعتمد على استمرار التنفيذ وليس على الصرف وحده.
المصادر: صندوق النقد الدولي؛ البنك المركزي المصري؛ بلومبرغ.

